مسرحية الانتخابات لسيد درويش: دراسة في الموسيقى الثورية وتطهير النوايا السياسية
سيد درويش ورحلة الفن المناهض للاستبداد
في مطلع القرن العشرين، شهدت مصر تحولات سياسية واجتماعية جذرية، تزامنت مع صعود الحركة الوطنية ضد الاحتلال البريطاني. وفي خضم هذا السياق الثوري، برز سيد درويش (1892–1923) كأحد أبرز الأصوات الفنية التي جسدت تطلعات الشعب المصري نحو الحرية والعدالة. لم يكن درويش مجرد ملحن موهوب، بل كان مفكراً سياسياً يستخدم الموسيقى والمسرح كأدوات لنقد الواقع وفضح الفساد. تُعتبر مسرحيته الغنائية "الانتخابات"، التي تتألف من ثلاثة فصول، نموذجاً فريداً لفنٍّ سياسي هادف، يجمع بين السخرية اللاذعة والعمق الإنساني، داعياً إلى تطهير النوايا ومراعاة مصلحة البلاد فوق المصالح الحزبية الضيقة.
تهدف هذه الدراسة إلى تحليل الأبعاد الفنية والسياسية لمسرحية "الانتخابات"، مع التركيز على براعة سيد درويش في توظيف الموسيقى لنقد النظام البرلماني الزائف، وفضح تناحر الأحزاب على حساب تمثيل إرادة الشعب. كما تُسلط الضوء على أهمية التدوين الموسيقي الدقيق الذي يقدمه موقع "نوتة سيبيلوس" لنشر هذه الإبداعات بين العازفين، مما يحفظ التراث الموسيقي ويجعله في متناول الأجيال الجديدة.
الفصل الأول: السياق التاريخي والسياسي لمسرحية "الانتخابات"
1.1 مصر في عشرينيات القرن العشرين: صراع السلطة والشعب
شهدت مصر بعد ثورة 1919 محاولات لإقامة نظام برلماني ديمقراطي، لكنها اصطدمت باستمرار الهيمنة البريطانية وتلاعب النخبة السياسية بالانتخابات. كانت الأحزاب الكبرى (كالحزب الوطني وحزب الأمة) تتنافس على الكراسي البرلمانية، بينما ظل الفقراء والعمال مُهمَّشين. في هذا المناخ، كتب سيد درويش مسرحيته "الانتخابات" كمرآة تعكس تناقضات المشهد السياسي.
1.2 المسرح الغنائي كمنصة للثورة
اعتمد درويش على المسرح الغنائي – الذي جمع بين الحوار المسرحي والألحان الشعبية – كوسيلة لتوعية الجماهير البسيطة. فالمسرح كان فضاءً جماعياً يلتقي فيه العامة بالنخبة، مما سمح بنقل الرسائل السياسية عبر قالب فني جذاب.
الفصل الثاني: تحليل مسرحية "الانتخابات" – ثلاثة فصول من النقد السياسي
2.1 الفصل الأول: "صراع الأحزاب" – الألحان الساخرة وتضارب المصالح
يستهل درويش المسرحية بمشهد صاخب يجسد تنافس الأحزاب على أصوات الناخبين. من خلال أغنية "يا مرشحين يا زين"، يسلط الضوء على الوعود الكاذبة والرشاوى الانتخابية. هنا، يستخدم إيقاعات المارش العسكري السريع (المستوحى من الموسيقى الغربية) ليصور الانتهازية السياسية، بينما تُقحم مقامات شرقية مثل "مقام الراست" لتأكيد الهوية المصرية الرافضة للتبعية.
2.2 الفصل الثاني: "صوت الشعب المفقود" – المأساة الإنسانية في مقام النهاوند
ينتقل الدراما إلى تصوير معاناة المواطن البسيط (ممثلاً في شخصية "الفلاح" و"العامل") الذي لا يجد مَن يمثله في البرلمان. أغنية "إحنا الشعب ناديْنا" تُلحَّن بمقام النهاوند الحزين، مع إيقاع "الواكد" البطيء الذي يعكس الإحباط. تكشف الكلمات عن سخرية مُرّة:
> "النائب يروح البرلمان ويقول كلام فاضي.. والجوعانين يِتسحلوا في الأرض".
2.3 الفصل الثالث: "دعوة للإصلاح" – الوحدة الوطنية في مقام السيكاه
يختتم درويش المسرحية بدعوة صريحة لتطهير النوايا، عبر أغنية "يا مصريين اتحدوا" التي تجمع بين مقام السيكاه المتفائل وإيقاع "المصمودي" النابض بالحياة. هنا، يدمج درويش بين التراتيل الدينية ("يا رب واحد يا موجود") والألحان الشعبية، مؤكداً أن الخلاص يكمن في الوحدة واخلاص النية.
الفصل الثالث: سيد درويش وعبقرية التأليف الموسيقي السياسي
3.1 الموسيقى كلغة سياسية: توظيف المقامات والإيقاعات
تميزت ألحان درويش بقدرتها على نقل المشاعر السياسية دون إسفاف. ففي مسرحية "الانتخابات"، استخدم:
- المقامات الشرقية: للتعبير عن الهوية (كـ الراست) والمعاناة (كـ النهاوند).
- الإيقاعات المركبة: مثل "السماعي الثقيل" في مشاهد السخرية، و"اللونجا" في مشاهد الحركة.
- الحوار الغنائي: بين الشخصيات لتمثيل الصراع الطبقي.
3.2 الثورة على الشكل الفني التقليدي
كسر درويش تقاليد الطقاطيق العثمانية المُتعالية، مُستبدلاً إياها بلغة دارجة وبُنى لحنية قصيرة تناسب الجماهير. كما أدخل آلات غربية (كالكمان) إلى التخت الشرقي، رمزاً لانفتاح الهوية المصرية.
الفصل الرابع: موقع نوتة سيبيلوس وحفظ التراث الموسيقي الثوري
4.1 أهمية التدوين الموسيقي الدقيق
يوفر موقع "نوتة سيبيلوس" نسخاً مُفصلة من ألحان المسرحية، مُدونة بنظام الكتابة الغربي مع تعديلات تضمن دقة النغمات الشرقيّة (كعلامات الربع تون). هذا يسمح ب:
- تعليم العازفين المبتدئين تقنيات العزف على الآلات الشرقية.
- إتاحة الفرصة للمحترفين لإعادة تقديم الأعمال بأمانة للتراث.
4.2 سيبيلوس وتحديات الموسيقى العربية
رغم أن برنامج سيبيلوس صُمم أساساً للموسيقى الغربية، إلا أن الموقع استخدم رموزاً خاصة لتدوين الزخارف الشرقيّة (كالنهّاكة والدندان)، مما يحافظ على الروح الأصلية للألحان.
ما تزال مسرحية "الانتخابات" مرجعاً لفهم توظيف الفن في النضال السياسي. فبعد قرن من كتابتها، لا تزال النخب الحاكمة في العالم العربي تتطاحن على الكراسي، والشعب يبحث عن تمثيل حقيقي. تدعونا ألحان درويش إلى إعادة اكتشاف الفن كسلاح للتغيير، وكشف الزيف السياسي.
الكلمات المفتاحية
- سيد درويش ومسرحية الانتخابات
- الموسيقى السياسية في مصر
- النقد الاجتماعي في الأغاني الثورية
- تدوين الموسيقى الشرقية بنوتة سيبيلوس
- تحليل مقامات سيد درويش
- المسرح الغنائي المناهض للاستعمار
- توثيق التراث الموسيقي المصري
- تأثير الثورة المصرية 1919 على الفن
- تقنيات العزف للمبتدئين في الموسيقى العربية
- سيد درويش والهوية الوطنية المصرية.
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
MID | XML | MSCZ |